الجاحظ

326

الحيوان

350 - [ أثر العين الحاسدة ] ولا تبعدنّ هذا من قلبك تباعدا يدعوك إلى إنكاره ، وإلى تكذيب أهله . فإن أبيت إلّا إنكار ذلك ، فما تقول في فرس تحصّن « 1 » تحت صاحبه ، وهو في وسط موكبه ، وغبار الموكب قد حال بين استبانة بعضهم لبعض ، وليس في الموكب حجر ولا رمكة « 2 » ، فيلتفت صاحب الحصان فيرى حجرا أو رمكة ، على قاب غرض أو غرضين « 3 » ، أو غلوة أو غلوتين « 4 » . حدّثني ، كيف شمّ هذا الفرس ريح تلك الفرس الأنثى ، وما باله يدخل دارا من الدّور ، وفي الدّار الأخرى حجر ، فيتحصّن « 5 » مع دخوله من غير معاينة وسماع صهيل ! ! وهذا الباب سيقع في موضعه إن شاء اللّه تعالى . وقال أبو سعيد عبد الملك بن قريب : كان عندنا رجلان يعينان الناس ، فمرّ أحدهما بحوض من حجارة ، فقال : تاللّه ما رأيت كاليوم قطّ ! فتطاير الحوض فلقين ، فأخذه أهله فضبّبوه « 6 » بالحديد ، فمرّ عليه ثانية فقال : وأبيك لقلّما أضررت أهلك فيك ! فتطاير أربع فلق . قال : وأمّا الآخر ، فإنّه سمع صوت بول من وراء حائط فقال : إنّك لشرّ الشّخب « 7 » ! فقالوا له : إنه فلان ابنك ، قال : وا انقطاع ظهراه ! قالوا : إنه لا بأس عليه . قال : لا يبول واللّه بعدها أبدا ! قال : فما بال حتّى مات . قال الأصمعيّ : ورأيت أنا رجلا عيونا فدعي عليه فعور . قال : إذا رأيت الشيء يعجبني ، وجدت حرارة تخرج من عيني . قال : وسمع رجل بقرة تحلب فأعجبه صوت شخبها « 8 » ، فقال : أيتهن هذه ، فخافوا عينه فقالوا : الفلانيّة - لأخرى ورّوا بها عنها - فهلكتا جميعا : المورّى بها والمورّى عنها .

--> ( 1 ) تحصّن : ظهر عليه ميل الفحولة . ( 2 ) الحجر والرمكة : أنثى الخيل . ( 3 ) الغرض : قدر رمية السهم إلى الهدف . ( 4 ) الغلوة : قدر ما تصل الرمية بالسهم . ( 5 ) تحصن : ظهر عليه ميل الفحولة . ( 6 ) ضببت الخشب ونحوه : ألبسته الحديد . ( 7 ) الشخب : الدم ، أو ما خرج من الضرع من اللبن . ( 8 ) الشخب : الدم ، أو ما خرج من الضرع من اللبن .